التعليم سلاح المرأة
في مجتمع ظالم أهله، المرأة فيه ممتهنة لا قيمة لها ولا وزن، لا يحق لها ان تحمل نقوداً، عوضاً عن أن تتملك شيئاً، إن مات عنها ولي أمرها، قد تموت من الجوع، فلا أحد ينظر إليها، ضعيفة مهمّشة، تنتظر من العيد إلى العيد حتى العيد ليأتي محارمها لتقبض منهم "العيدية" لأن هذا هو المبلغ الوحيد الذي بإمكانها أن تتملكه خلال العام.. فهي غرضٌ من الأغراض.
المرأة مهمتها في هذا المجتمع أن تكون خادمة للرجل: الأب، الأخ، الزوج والابن، هم السادة، يتجبرون يأمرون وينهون وهي التي تحضِّر لهم الطعام وتأتي به حتى أقدامهم، تأتي بالماء تحمله على رأسها وقد قطعت به مسافات طويلة وقد ملأت الجرة الثقيلة من بئر بورين أو بئر باقة، ومنهن من تخرج للعمل في الحقول ومنذ نعومة أظافرها، والأب ينتظر الغلة ليأخذها منها ظلماً وعدوانا، و"يخلف عليه" أن سمح لها أن تتعلم حتى الصف الرابع لـ"تفك الخط"، المرأة التي كفل لها الشرع حقوقها ورعاها، عاشت مقهورة كيف لا وهي تعيش في كنف من أحكموا العادات والتقاليد حتى أصبح سلطانها أقوى من سلطان الكتاب والسنة، فلا ميراث يوزّع بالقسط، ولا عدل بين الأبناء والبنات، عدا عن أنها خسارة مادية لأبيها الذي بتفكيره هو يغذيها ويسمنها حتى تعطى زوجة إلى احدهم يوما ما.
على هذا عاش مجتمعنا قرون طويلة من الزمن، وقد نُحِّيَ شرع الله جانباً وطُبق شرع "عبد الله"، قوانين العيب فاقت قوانين الشرع الحنيف، مع تغليف قوانين العيب بشيء من المسحة الدينية، المرأة فيه ضعيفة لا وزن لها، حتى هبّت ريح سموم من الغرب، أن قم بنا نحرر المرأة من قيودها فإذا بالبناء الاجتماعي الذي بُني على قواعد هشّة قوامها العادات والتقاليد تنهار في وجه هذه الريح، فلا جد جدي قد تخيّل أن سيأتي اليوم تزاحم المرأة الرجل في ميادين العمل المختلفة؟ ولا أظنه تصوّر أن سيأتي اليوم الذي تسافر المرأة لوحدها خارج البلد وتبيت خارج البلد لا بل خارج البلاد، ولا أظنه تخيّل أن تصبح المرأة العاملة الموظفة المتعلمة هي المرأة ذات المستوى الاجتماعي الراقي وأصبح من العيب لا منقصة أن تجلس المرأة في بيتها، لقد انقلبت الموازين والمعايير فما كان منكراً يوماً ما أصبح اليوم معروفاً وعرفاً وعادةً!!
لقد هوجم المجتمع المسلم في وضع لم يكن مستعد للمقاومة، بمفاهيم دخيلة غريبة عليه، مفاهيم أُريد منها أهداف خفية غير الأهداف المعلنة من تحرير المرأة من الظلم الاجتماعي الذي كانت تحياه، ودعونا نعترف أنها كانت تحيى ظلماً اجتماعياً ولا شك، وقد عرضنا نبذة منه، ولكن الأعداء عندما جاءوا بأفكارهم وقد عرضوا الظلم الذي حل بالمرأة على أنه بسبب الدين الإسلامي، مع أن الدين كنظام يضبط حياة الناس منحّى جانباً منذ مئات السنين عن حياتهم ولا احد يأبه به، وأصبحت تضبط المجتمع المسلم موازين أخرى مبنية على العادات والتقاليد لا علاقة لها للشرع لا من قريب ولا من بعيد! فلو كان المجتمع المسلم محصّن بعقيدة راسخة وإيمان سليم ما هزته دعوات تحرير المرأة، لأنهم ما أرادوا من هذه الدعوات غير ضرب المجتمع المسلم بركنه الأساسي وهو المرأة، أخرجوا المرأة من بيتها لتنشغل بالتعليم والعمل عن مهمتها الأولى وهي التربية، يسعون بشكل مبرمج لكي تخلع المرأة المسلمة ثوب الحياء والحشمة الذي توارثته جيل عن جيل، "فلِمَ نساؤهم متسترات ونساؤنا عاريات ؟" هذا من غيظهم وحقدهم علينا، فلكم تغيظهم حشمة نساءنا؟ وما منع الحجاب بفرنسا عنا ببعيد!
لقد كان تعليم المرأة حتى الصف الرابع تفضُّلاً ومِنة، وهذا طبعاً خطأ ومرفوض، أما اليوم فمن يجرئ أن يُقعد أبنته في البيت من غير تعليم، مع ما في المدارس من مظاهر انحلال خلقي رهيبة؟ أصبحنا نربي بناتنا على مفهوم "التعليم سلاح المرأة" وأصبح هذا المفهوم من القوانين التي لها سلطان أقوى من الشرع، فأصلا الشرع منحّى جانباً ولا يلتفت إليه احد، فالمرأة عندما تنظر إلى الوراء تجد القهر والحرمان فكيف لها ان لا تتمسك بهذا القانون "التعليم سلاح المرأة"، فتربي الام ابنتها أن واجب عليك ان تتعلمي وتنهي تعليمك الثانوي والجامعي، ولا يهم إن تناقض هذا مع مفاهيم مؤصَّلة من الشريعة:
اذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، فالبنت لا تفكر بالزواج مطلقاً لان لها اهداف أخرى غير الزواج على أجندتها تريد ان تتعلم حتى "الرمق الاخير"، فلا تتوقف لا عند اللقب الاول ولا الثاني.
تسافر لوحدها وتبيت لوحدها خارج البلدة أيضاً وبلا محرم، فالغاية تبرر الوسيلة وفق قوانينها وعُرفها، فالتعليم سلاح المرأة.
اختلاط النساء بالرجال وهو مرفوض شرعاً.
المهم هو ان تأخذ الشهادة لتتوظف. إن نافست المرأة الرجال، اختلطت بالرجال، فلا يهم،إن وضعت الشرع وقوانين السماء جانباً، فلا يهم، المهم أن تحقق ذاتها، أبناؤها تركتهم في مفاقس الأطفال، لا يهم، بلا حنان ولا رعاية، لا يهم... المهم أن تحقق المرأة ذاتها وتُثبت انها قادرة... ومعها الان المجتمع كله من وراءها يؤيدها ويآزرها ويقدم لها الدعم المطلوب، حتى أن أسهم المرأة المتعلمة الموظفة أصبحت غالية في "بورصة النساء"، فمن كانت ابنته متعلمة وموظفة ومثبّتة في عملها أصبح ثمنها غالٍ جداً لا يُقبل لها بأي عريس، وأصبحت المرأة التي نذرت نفسها لزوجها وأبناءها في قاع السلم الاجتماعي، مع أن الشرع وضع للمرأة مهمة واحدة أساسية : رعاية شؤون بيتها زوجها وأبناءها وما يأتي بعد ذلك لا يكون على حساب هذه المهمة، ولكن من ينظر اليوم إلى قوانين الشرع؟... بالله عليك!!
البنت الصغيرة تنشئ وينادى عليها "بالدكتورة"، جاءت الدكتورة وراحت الدكتورة، تنشأ وتُنشّأ على أنها دكتورة، وما ان تصل إلى الثانوية فمن البديهي أن تكون الكلية أو الجامعة استمرارية طبيعية لها، ومَن هذا الذي يجرؤ أن يقول خلاف ذلك، وهل أكون ناقصة؟ وشهادتي الثانوية التي تعبت لأجلها "إتروح مني عَ الفاضي"؟ وستقول نفس الجملة "إتروح مني شهادتي الجامعية عَ الفاضي؟" ...أما الشرع فلا أحد يسأل به ولا عنه!!
أنا ادع ، وبوضوح، الى ان نعود الى الوراء !! ولكن أي وراءٍ هذا؟ ليس الذي هو قبل خمسون ومائة سنة، الامة الاسلامية تعيش في حالة من التيه والضياع والبعد عن تعاليم الشره منذ قرون نحن نريد ان نرجع الى الوراء بعيداً الى تعاليم جيل النصر والتمكين ... إنه جيل الصحابة!! نحن بحاجة إلى إعادة النظر في أولويات تربيتنا لبناتنا وماذا نريد منهن،ومن نرضي ربنا وشرع ربنا أم شرع العادات والتقاليد التي تتغير بتغير الزمان والمكان؟ هل نريد منهن ان يكن أمهات المستقبل من يعددن الجيل القادم جيل النصر والتمكين أم نريد منهن ان يكن موظفات المستقبل؟
يتبع



